المقدمة:
لقد نشأت المدن نتيجة الرغبة في التعايش كمجموعات بالنسبة للأفراد، ولتحقيق الاستقرار الذي كان يحاول الإنسان القديم جاهدا الحصول عليه، فمن الريف والصحراء والغابات ، بدأ ينتقل تدريجيا للوصول إلى مفهوم جديد للتعايش، يضمن استقراره، ويحقق له في نفس الوقت الحماية من كل المؤثرات الخارجية.إن قيام المدن ونموها مسألة يصعب أن نتتبعها بدرجة ملحوظة لأسباب عديدة، ومما لاشك فيه أن المدن انبثقت تعبيرا عن ظروف روحية ومادية واجتماعية وسياسية ، وانعكست هذه الصور على تغير المدن ونمو العمارة ، وأكد بارنز:"أن العمارة هي سجل لعقائد المجتمع"، ويقصد بنشأة المدن:"هي مرحلة المدينة في فجر قيامها"، وتتميز بانضمام بعض القرى لبعضها البعض، واستقرار الحياة الاجتماعية إلى حد ما، وقد قامت المدينة في هذه المرحلة بعد اكتشاف الزراعة وقيام الصناعات اليدوية.
蔄>مراحل نمو المدن:
1- مرحلة تجمعات ما قبل الزراعة:وهي تتميز بما يلي:
- قلة عدد السكان. - الانتشار السكاني استنادا إلى موارد الرزق.
هي تطبيق لنظرية مالتس: مستقرات صغيرة متساوية في الحجم.
2- مرحلة نمو تجمعات ماقبل الزراعة:
- زيادة نمو المدن. - بدء تحسن الحالة الاقتصادية.
وهي المرحلة التي بدأت تتميز بها بعض المدن
نتيجة انتشار الزراعة ونوع من التجارة التبادلية.
3- مرحلة التجمعات الزراعية: تتسم بما يلي Market Town:
- ارتفاع كبير في معدل نمو السكان.
- ارتفاع معدل نمو المدن عن معدل نمو السكان هامة.
- صعود واضح في معدل النمو الاقتصادي.
- بدء نمو مستقرات بشكل واضح، بسبب تحولها إلى
منطقة سوق تجاري لما حولها.
4- مرحلة المدينة الأولى Primate City :
- وصول نمو سكان المدن لأعلى مراحله.
- تسارع معدل النمو الاقتصادي بدخول
الصناعة وتوفر المواصلات الكثيرة (سكة الحديد، شبكات،
طرق)وتنشأ هنا مدينة كبيرة،وتنشأ حولها بعض المدن،وتدعي
المدينة الأولى المهيمنة على باقي المستقرات
البشرية مثل مكسيكو سيتي،القاهرة،بومباي.أي في كل دولة،
يوجد مدينة كبيرة جدا متميزة، تتركز فيها أنشطة كثيرة
بنوك ورؤوس أموال،ويصل حجمها إلى 20-30%من عدد
السكان، ويكون فيها كافة شبكات الطرق والمواصلات، وتتميز بتركز
سكاني شديد، وبوضوح التنظيم الاجتماعي والإداري واتساع الأسواق،
وتتسم بالتمييز الطبقي، ومعدل نمو مرتفع يكاد يكون ضعف معدل
نمو الدولة، مثل القاهرة معدل نموها 5% أما مصر2, 5%.
5- مرحلة المدينة الكبيرة Metropolitan:
تظهر مدن كثيرة مهمة ويتجمع السكان في المدن الجديدة المليونية،وتنخفض هيمنة المدن الأولى، وتظهر عدة مدن كبيرة تؤلف المدينة الأم، وهي ليست مدينة واحدة وإنما هي مجموعة مدن تكمل بعضها حيث يكون النشاط الاقتصادي متمما لبعضه، وتبدأ المدن بالتجمع مثل:القاهرة والجيزة وشبرا وهي اكبر المدن السابقة لها، واكبر متروبوليس هي : طوكيو والنيورك ومكسيكو سيتي .
وتمتاز هذه المرحلة بكثافة عدد السكان بشكل فوق العادي،وتتوافر فيها المواصلات،وتهتم الحكومة فيها بتحقيق مطالب سكانها ،وتنفرد بميزات خاصة كالتجارة والصناعة،وقد تصل بعض هذه المدن إلى عاصمة منطقة أو دولة وتصبح المركز الرئيسي للحكومة،وتتركز فيها كل المظاهر والنشاط الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، بحيث تصبح بحق"المدينة الأم".
6- مرحلة الميجالوبوليس Megalopolis:
- انخفاض كافة المعدلات. – انخفاض معدل النمو الاقتصادي.
- انخفاض معدل نمو السكان. – انخفاض معدل تركز السكان في المدن.
والتي تتصل فيما بينها عمرانياً، وفي هذه المرحلة تبدأ المدن والمناطق
الحضرية حول المتروبوليس تزيد وتنمو وتتحول إلى عمران ضخم،ويكاد
أن يكون متصلا عمرانيا،ويتفوق في هذه المدن التنظيم الآلي والتخصص
وتقسيم العمل وتأخذ الفردية في الظهور،وتنتشر النظم البيروقراطية في
الإدارة وأجهزة الحكم.
7- مرحلة التحضر التام Nearly Total Urbanization:
معدل نمو الحضر أعلى من معدل النمو السكاني لاستمرار الاتجاه نحو التحضر.- ثبات معدل نمو السكان. – استمرار زيادة معدل نمو الحضر- تكاد أن تكون مراحل نمو الحضر مدنا صغيرة متجمعة بشكل تجمع حضري.
- تتعدد الأنشطة ويكون لدينا مجموع من المدن الصغيرة والكبيرة والمزارع والمناطق الصناعية وبالتالي نسيج عمراني، وتكون المناطق الزراعية عبارة عن أجزاء أو نقاط صغيرة،وتتبنى المدينة الأم ،وتتحلل حول المدينة الأصلية،وتنشأ مناطق جديدة ملتحمة،ولا يوجد أي نموذج قديم،وإنما شريط جديد مترابط من النسج العمرانية،ومن الصعب تخيله لعدم وجوده حتى الان.
8- مدن مرحلة ما قبل الصناعة:
يرى أمريز جونز أن مدينة ما قبل الصناعة لاتطلق على أنماط مدن أوروبا الغربية الحالية،وإنما تطلق على مدن أوروبا في العصور الوسطى وجميع المدن التي كانت قائمة عبر التاريخ ولا تتسم بالصناعة.واتسمت مدن ما قبل الصناعة بالخصائص التالية: 1- سيادة التكنولوجيا بعد أن كانت الصناعات اليدوية.
2- انعدام التخصص الوظيفي. 3- سيادة الفكر والأدب بين صفوة تتمتع بأوقات الفراغ.
4- صغر حجم المدينة، ويرجع صغر حجم المدينة إلى عدة عوامل منها ببساطة التكنولوجيا السائدة.
أما معدلات التحضر: فهي ترتفع داخل الدول الصناعية التي يعمل أغلب سكانها في مجالات العمل الصناعي والخدمات.ويؤكد ذلك أن نسبة سكان المدن في البلاد الغير المصنعة تقل عن تلك في البلاد المصنعة.
ونستنتج أن : نسبة سكان المدن مرتبطة بالتصنيع وتقل بقلته،تتأثر الظواهر الحضرية مباشرة بالتصنيع من حيث:نوعيته،ودرجته،ومجاله،ولا نعني بالقاعدة الصناعية هنا مجرد توافر صناعة ما،بحيث تؤثر على سكان ذلك المكان اقتصادياً واجتماعياً،وإنما نعني بتلك القاعدة الصناعية وجود نظام أو نسق System من الصناعات،يكون محوراً أساسياً لحركة السكان من هذه المنطقة،ويختلف عن الصناعات اليدوية التي كانت قائمة في البيوت،ومما لاشك فيه أن نمو الصناعة يؤدي إلى زيادة الحاجة للعمال،وزيادة حجم المدن،وشدة إقبال الناس عليها،ليس للغرض الاقتصادي فحسب ولكن لما فيها من حرية.ويؤكد هذا المعنى لويس ممفورد إذ اعتبر أن المدن تدين في وجودها إلى حد كبير للثورة الصناعية وما صاحبها من تقدم صناعي استتبع اثارا واضحة إنسانية ومادية عديدة تمثلت بوضوح في مدن بترسبورج وشيكاجو. ويرتبط التصنيع بالتحضر،
من حيث كونه سبباً أساسياً من أسباب عمران المدينة ونموها السريع مساحة وسكانا ووظيفة.فقد ظهرت مباني جديدة لم تكن معروفة من قبل كالمصانع وسكك الحديد.وأدى التصنيع إلى ظهور التباين الوظيفي،ليس فقط في المنشآت والمباني،وإنما في المناطق التي تنقسم إليها المدينة.ويؤدي التصنيع إلى رفع الكفاية المالية والإدارية للمناطق ذات الصناعات الحضرية،وتتغير الحياة الاجتماعية لتصبح ذات علاقات غير متينة قائمة في الأغلب على مبدأ المنفعة الذاتية ولذلك فهي غير مستديمة.
9- الــمدن الكبــيـرة: إن نمو المدن الكبيرة مهم جدا مثل عمليات التمدن العامة.وتضم هذه المدن الآن أكثر من خمس سكان العالم.ولكن ما هي المدينة الكبيرة؟فالتحديد البسيط للحجم يستخدم المستوى الأدنى ل100000ساكن.ولكن هل يمكن أن نعتبر أن في هذا العدد تحديدا لحجم التجمعات؟وهنا ممكن أن نسأل ما هو مصطلح التجمع؟فهذا المصطلح يعني "اندماج مدينتين لتشكيل وحدة واحدة"،أو "المدينة مع ضواحيها"،أما الكتاب الديموغرافي للأمم المتحدة فيحدد التجمع المدني بأنه"يشمل الحواف المدنية أو المقاطعات المسكونة بكثافة والتي تقع خارجاً ولكن مجاورة لحدود المدينة".
وغالباً ما يؤدي نمو التجمعات الكبيرة إلى تكوين مستوطنات مدنية كبيرة متصلة ومستقلة،تسمى عادة "المدن المتصلة Conurbations".ويمكن وصفه بأنه تجمع واتصال عدة مدن وأحيانا بتكونه من تجمع واحد كبير وتوابعه المدنية.أما المدن المليونية فإنها تتضاعف بسرعة، ففي بداية هذا القرن كان هناك إحدى عشر مدينة مليونية فقط في العالم، ولكن في أوائل الستينيات، ارتفع العدد إلى أكثر من 100مدينة منها ست مدن عربية مثل:"القاهرة والإسكندرية والدار البيضاء".
*وظائف المدن والقوى المؤثرة فيها: لما كانت المدن المليونية(المتروبولية)تؤدي سلسلة من الوظائف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والإدارية،فلا بد من التركيز على دورها التنموي، والمشكلة هنا صعوبة تحديد الوظائف وترتيب أولوياتها.وتبدو أنشطة المرتبة الثالثة(الخدمات)وهي تجارة التجزئة والجملة والتأمين والعقارات وإدارة الأعمال بمستوياتها المختلفة أهم وظائف المدن، إضافة لخدمات الصيانة والنقل والإصلاح والاتصال والبناء والتشييد والخدمات الشخصية مثل:الطب والصحة والتعليم والإدارة العامة.
الخاتمة
إن المدينة بصفتها نموذج لمجتمع حضري فهي ظاهرة قديمة يرجع تاريخها لما يقارب ال 7000سنة وهي تعتبر كذلك انعكاسا لتزايد التعقد الاجتماعي واستجابة لظروف اجتماعية وثقافية وجغرافية وقد انعكس هذا على أساسها الوظيفي الذي يختلف باختلاف المكان و الزمان. وتركز المجتمعات الحضرية ليس وليد العصر الحديث، بل يرجع لعهود سابقة عندما قامت المدن بوظائف متعددة لخدمة إقليمها المجاور ولكن ارتبط هذا المفهوم الحديث بالحجم السكاني فقط طالما أن المركز الذي يحوي المراكز التجارية والصناعية جاذب للفائض السكاني ومن هنا يحصل التضخم السكاني وتعدد الوظائف وتصبح المدينة العاصمة المهيمنة والتي تحظى بأكبر عدد من سكان الدولة والحضر معاً لتصبح في بعض الأحيان الدولة نفسها ونافذتها على العالم الخارجي.
اعداد : منصور عزت ابو ريدة / ماجستير جغرافية عمران
____________________________________________________________
المرجع:



